أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
235
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قيل : وهم يجادلون في اللّه وهو شديد المجادلة . واختلفوا في ميمه ، فالجمهور على أنها أصلية في المحل ، وهو المكر والكيد ، ووزنه « فعال » ك « مهاد » . وقال القتبي : « إنّه من الحيلة ، وميمه مزيدة ك « مكان » من الكون ، ثم يقال : تمكنت . « وقد غلّطه الأزهري ، وقال : « لو كان مفعلا من الحيلة لظهرت الواو ، مثل : مرود ومجول ومحور » وقرأ الأعرج والضحاك بفتحها ، والظاهر أنه لغة في المكسورها ، وهو مذهب ابن عباس فإنه فسّره بالحولي ، وفسّره غيره بالحيلة . وقال الزمخشري : « وقرأ الأعرج بفتح الميم ، على أنه « مفعل » من حال يحول محالا ، إذا احتال . ومنه : « أحول من ذئب » « 1 » ، أي : أشد حيلة ، ويجوز أن يكون المعنى : شديد الفقار ، ويكون مثلا في القوة والقدرة ، كما جاء : فساعد اللّه أشد ، وموساه أحد ، لأن الحيوان إذا اشتد محاله ، كان منعوتا بشدة القوة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره . ألا ترى إلى قولهم : فقرته الفواقر ؟ وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه » . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 14 إلى 15 ] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) قوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ . من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، والأصل : له الدعوة الحق ، كقوله : « وَلَدارُ الْآخِرَةِ » * على أحد الوجهين ، وقال الزمخشري : « فيه وجهان : أحدهما : أن تضاف الدعوة إلى « الْحَقِّ » الذي هو نقيض الباطل ، كما تضاف الكلمة إليه في قولك : كلمة الحقّ . والثاني : أن تضاف إلى « الْحَقِّ » الذي هو اللّه تعالى ، على معنى : دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب . قال الشيخ « 2 » : وهذا الوجه الثاني لا يظهر ، لأن مآله إلى تقدير : للّه دعوة اللّه ، كما تقول : « لزيد دعوة زيد » . وهذا التركيب لا يصح . قلت : وأين هذا مما قاله الزمخشري حتى يرد عليه به ؟ قوله : « وَالَّذِينَ يَدْعُونَ » يجوز أن يراد ب « الَّذِينَ » المشركون ، فالواو في « يَدْعُونَ » عائدة ، ومفعوله محذوف ، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إياه معاملتهم ، والتقدير والمشركون الذين يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام إلا كاستجابة باسط كفيه ، أي : كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ، ولا بعطشه ، ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه ، قال معناه الزمخشري ، ولما ذكر أبو البقاء قريبا من ذلك ، قدر التقدير المذكور ، قال : « والمصدر في هذا التقدير مضاف إلى المفعول ، كقوله : « لا يسأم الإنسان من دعاء الخير » ، وفاعل هذا المصدر مضمر ، وهو ضمير الماء ، أي : لا يجيبونهم إلّا كما يجيب الماء باسط كفيه إليه ، والإجابة هنا كناية عن الانقياد » . ويجوز أن يراد ب « الَّذِينَ » الأصنام ، أي : والآلهة الذين يدعونهم من دون اللّه ، لا يستجيبون لهم بشيء إلا استجابة ، والتقدير : كما تقدم في الوجه قبله ، وإنما جمعهم جمع العقلاء إما للإختلاط ، لأن آلهة عقلاء وجماد ،
--> ( 1 ) مجمع الأمثال 1 / 404 . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 376 ) .